العودة للمدونة
٢٠ أكتوبر ٢٠٢٦

التحيزات المعرفية في مكان العمل والصحة النفسية: كيف تؤثر الأحكام الخفية علينا

كيف تؤثر الأحكام المسبقة في بيئة العمل على الصحة النفسية والثقة بالنفس والشعور بالأمان؟

نُصدر كل يوم في مكان العمل أحكاماً سريعة على الأشخاص من حولنا. تساعدنا هذه الاختصارات الذهنية على معالجة المعلومات بسرعة، لكنها قد تدفعنا أيضاً إلى الاعتماد على صور نمطية وتحيزات معرفية لا تعكس الواقع دائماً.

ربما سمعتم عبارات مثل:

  • "هذا الشخص عاطفي أكثر من اللازم".

  • "هي لا تصلح للقيادة".

  • "هو يرفض التغيير".

  • "هي هادئة أكثر من اللازم".

قد تؤثر هذه الافتراضات في طريقة التعامل مع الأشخاص، حتى عندما لا توجد أدلة واضحة تدعمها.

أكثر التحيزات المعرفية شيوعاً في مكان العمل

من أبرز التحيزات التي تظهر في بيئة العمل:

  • التحيز التأكيدي: البحث عن المعلومات التي تؤكد الانطباع الأول وتجاهل ما يناقضه.

  • تأثير الهالة: السماح لصفة إيجابية واحدة بالتأثير في التقييم الكامل للشخص.

  • تأثير الصفة السلبية: السماح لخطأ واحد أو صفة سلبية بأن تطغى على كل الجوانب الأخرى.

  • تحيز الإسناد: تفسير سلوك الشخص على أنه نابع من شخصيته، من دون مراعاة عوامل مثل ضغط العمل أو غموض التوقعات أو التوتر.

  • تحيز التشابه: تفضيل الأشخاص الذين يشبهوننا في الخلفية أو الشخصية أو أسلوب التواصل.

  • تأثيرا الانطباع الأول والحدث الأخير: إعطاء وزن أكبر من اللازم للانطباع الأول أو للأحداث الأخيرة بدلاً من تقييم الأداء الكامل.

عندما تؤثر الثقافة في تصوراتنا داخل مكان العمل

في بيئات العمل متعددة الثقافات، يمكن للخلفية الثقافية واللغة أن تؤثرا بشكل كبير في طريقة التواصل، والتعبير عن الاختلاف، وإظهار الثقة بالنفس، والتعامل مع السلطة. وبالنسبة إلى المهنيين الناطقين بالعربية — سواء كانوا يعملون في لبنان، أو دول الخليج، أو أوروبا، أو ضمن أوساط الجاليات العربية في أنحاء العالم — قد تُساء أحياناً قراءة هذه الاختلافات أو تفسيرها.

قد تُفهم أساليب التواصل المتأثرة ببعض الأعراف الثقافية العربية، والقيم العائلية، والعلاقة بالتراتبية، أو التوقعات الاجتماعية بصورة مختلفة في بيئات العمل الدولية. فالشخص الذي لا يميل إلى الترويج لنفسه، أو يتواصل بقدر أكبر من التحفظ، أو يعبّر عن عدم موافقته بطريقة غير مباشرة، قد يُنظر إليه على أنه أقل ثقة بنفسه، أو أقل انخراطاً، أو أقل ملاءمة لتولي مسؤوليات قيادية، حتى عندما لا يعكس ذلك قدراته أو أداءه الفعلي.

وبالنسبة إلى الأشخاص الذين يعملون بين ثقافات متعددة أو بلغة ليست لغتهم الأم، قد يتحول سوء الفهم المتكرر إلى مصدر إضافي للتوتر في العمل. ويساعد الاعتراف بالاختلافات الثقافية على التمييز بشكل أفضل بين الانطباعات والأداء الفعلي، كما يساهم في بناء بيئة عمل أكثر أماناً من الناحية النفسية وأكثر شمولاً.

كيف يمكن أن تؤثر التحيزات في مكان العمل في الصحة النفسية؟

قد تؤثر الصور النمطية والتحيزات المعرفية في التوظيف، وفترة التجربة، وتقييم الأداء، والترقيات، وفرص القيادة، وحتى القرارات المرتبطة بإعادة الهيكلة أو تسريح الموظفين.

مع الوقت، قد يشعر الموظفون الذين يتم الحكم عليهم بناءً على افتراضات لا على عملهم الفعلي بارتفاع التوتر، وتراجع الثقة بالنفس، وانخفاض الدافعية، وضعف الأمان النفسي في بيئة العمل.

الصور النمطية المرتبطة بالصحة النفسية في العمل

قد يُنظر أحياناً إلى الموظفين الذين يمرون بالتوتر أو القلق أو الاحتراق الوظيفي أو الصدمة النفسية أو الاكتئاب على أنهم أقل كفاءة أو التزاماً. وقد يؤدي هذا النوع من الوصمة المرتبطة بالصحة النفسية إلى تقليل الفرص المتاحة لهم، أو خفض التوقعات بشأنهم، أو تعريفهم من خلال صعوباتهم بدلاً من نقاط قوتهم.

غالباً ما تصبح هذه الافتراضات معززة لنفسها. فعندما يتوقع الناس رؤية الضعف، يلاحظون السلوكيات التي تؤكد اعتقادهم ويتجاهلون مؤشرات المرونة والتطور والكفاءة.

كيف نخفف التحيزات ونبني بيئة عمل أكثر صحة؟

يبدأ بناء بيئة عمل صحية نفسياً بالاعتراف بأن الانطباعات الأولى ليست دائماً دقيقة، وأن التحيز اللاواعي قد يؤثر في القرارات.

يمكن للمؤسسات تعزيز العدالة من خلال:

  • اعتماد تقييمات تستند إلى الأدلة ومعايير واضحة.

  • إتاحة فرص للتغذية الراجعة المفتوحة والبنّاءة.

  • تعزيز الأمان النفسي بحيث يشعر الموظفون بالراحة عند طرح الأسئلة والتعبير عن المخاوف وتصحيح سوء الفهم.

  • التعامل مع الموظفين كأفراد، لا من خلال التصنيفات أو الافتراضات المسبقة.

    عندما تشعر بأن الآخرين لا يفهمونك

إذا كنت تشعر أن الآخرين في مكان العمل ينظرون إليك من خلال افتراضات محدودة، فتذكّر أن هذه التصورات قد لا تعكس قدراتك الحقيقية بدقة. يمكن أن يؤثر الضغط المستمر في العمل، أو القلق، أو الشعور بأن الآخرين لا يفهمونك على ثقتك بنفسك وصحتك النفسية بشكل عام. لذلك، قد يساعدك التحدث مع زميل تثق به، أو مسؤول، أو مرشد، أو أخصائي في الصحة النفسية على رؤية الموقف من منظور أوضح.

كما يمكن للعلاج النفسي عبر الإنترنت أن يوفر لك مساحة سرية لفهم ما تمر به بشكل أفضل، وإدارة ضغوط العمل، واستكشاف خطوات عملية للمضي قدماً، دون السماح للأحكام أو التصنيفات غير المنصفة بالتأثير في صورتك عن نفسك.

اعثر على الأخصائي المناسب لك

الخلاصة هي أن الصور النمطية والتحيزات المعرفية اختصارات ذهنية طبيعية، لكنها ليست حقائق. كلما توقفنا لمراجعة افتراضاتنا، ازدادت قدرتنا على بناء أماكن عمل أكثر عدلاً وصحة وشمولاً للجميع.

بقلم عبلة غطاس، أخصائية في علم النفس السريري ومعالجة نفسية لدى areeka care.

تمت المراجعة من قبل الفريق السريري في areeka care

شارك على: